الآن، تعالَيْ أيَّتُها الدُّموع
في مَعرَضِ الكُتبِ هناكَ كتابٌ واحدٌ باسمِكِ، “تاريخُ الدُّموع”. يقبَعُ بينَ كُتبِ السِّياسيّينَ وعُلماءِ الاجتماعِ وتاريخِ المَعاركِ والحُروب. ولكنْ في مكانٍ ما هُنالِكَ مكتبةٌ كامِلةٌ لكِ. فلِكُلِّ كِتابٍ عن معركة، كتابٌ آخَرُ غيرُ موجودٍ عن دُموعِها. أُريدُ أن أتمَشّى في هذا المَعرَض. صحيحٌ أنَّني لن أستطيعَ أن أُمسِكَ أيَّ كتابٍ في يَدي، صحيحٌ أنَّني لا أستطيعُ أن أُقَلِّبَ الصَّفْحاتِ، ولا حتّى أن أقرأَ عناوينَ الكُتبِ وأسماءَ كُتّابِها، فهُم اختَفَوْا أيضاً مِن التّاريخ، مثلَ دُموعِهِم.
فنحنُ نعرفُ ما يحصُل، ما إن تبدأَ حَربٌ على شعبٍ حتى تقتلِعَ كُلَّ شيء: لُغتَهم، بيوتَهم، أغانيهم، شَجَراتِهم، والدُّموعَ من حَدَقاتِهم، وتترُكَهُم على الشَّواطئِ أمامَ سُفُنِ تجارةِ العَبيدِ مُجرَّدَ صناديقِ شَحْن.
ولهذا أُريدُ مَعرَضَ الكُتبِ ذلك، بِرُوّادِهِ القليلينَ وبِرَكِ دُموعِهِ وحديقتِهِ المَهجورةِ وصَمتِهِ الحَديدِيّ. وأُريدُ أن أكونَ بينَ كُتُبهِ التي تتراكَمُ على رُفوفِهِ وتكسِرُها، حينَ أقرأُ في صباحٍ بِ كَهرباءَ جُملةً مثلَ”صباحاً، عامَ 1650 ، سِتُّ سُفنٍ لتجارةِ العبيدِ تَقِفُ عندَ مَصَبِّ نَهرِ الكونغو في المُحيطِ بانتِظارِ حُمولَتِهِنَّ“.
أيَّتُها الدُّموع، يستأصِلُكِ التاريخُ مِن الجريمةِ كما ينزِعُ الخريفُ الأوراقَ عن الشَّجرة، حتى آخِرُ ورقةٍ لا يتركُها للشَّجرَة، حتى آخِرُ دَمعةٍ لا يتركُها لِشَعبِها. ولا أعرِفُ، حقّاً لا أعرِفُ، أيُّهُما أسوأُ جريمةً، أن تُقلَعَ الناسُ من أرضِها، أم الدُّموعُ من حدَقاتِها؟!
ولا أعرفُ، لا أعرفُ، كيف يُحاولُ أحدٌ أن يوقِفَ الجريمةَ بأن يُعيدَ الدُّموعَ إلى أصحابِها. العدالةُ لَيسَت أنْ نَرسِمَ الدُّموعَ على صناديقِ الشَّحن. العدالةُ أن تُغرِقَ صناديقُ الشَّحنِ السفينةَ، أن تَكسِرَ الدموعُ رُفوفَ المكتبات.


